ابن القلانسي
147
تاريخ دمشق
والناس إذ ذاك في ضرّ وجهد ، قد توالى عليهم الجدب ، وغلاء السعر وعزت الأقوات وأقام الفساسيري بمكانه ، والقتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن بدجلة . فلما كان يوم الجمعة الثاني « 1 » دعي للمستنصر باللّه صاحب مصر على المنبر بجامع المنصور ، وزيد في الأذان « حي على خير العمل » . وشرع في بناء الجسر بعقد باب الطاق « 2 » وكفّ الناس عن المحاربة أيّاما ، وحضر يوم الجمعة الثاني من الخطبة ، فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة ، وخندق الخليفة القائم بأمر اللّه حول داره ، ورم ما تشعث منها ، ومن أسوار المدينة ، فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي والكرخ « 3 » ، ونهض بهم إلى محاربة الخليفة ونشبت الحرب بين الفريقين يومين ، وقتل منهما الخلق الكثير . وأهل هلال ذي الحجة ، فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة ، فأضرم النار من الأسواق بنهر معلّى وما يليه ، وعبر الناس لانتهاب دار الخليفة ، فنهب منها ما لا يحصى كثرة وعظما ، ونفّذ الخليفة إلى قريش بن بدران العقيلي « 4 » ، وكان قد ظاهر الفساسيري ، فأذم للخليفة في نفسه ، ولقيه قريش أمير بني عقيل ، فقبل الأرض دفعات ، وخرج الخليفة من الدار راكبا ، وبين يديه راية سوداء وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة ، وعلى رأسه
--> ( 1 ) في رواية ابن العديم : « الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة » . ( 2 ) في رواية ابن العديم : « وشرع البساسيري في اصلاح الجسر ، فعقده بباب الطاق ، وعبر عسكره عليه ، وأنزله بالزاهر » . ( 3 ) في رواية ابن العديم : « أهل الجانب الغربي عموما ، وأهل الكرخ خصوصا » ذلك أن جل أهل الكرخ كانوا من الشيعة . ( 4 ) في الأصل : مؤنس بن بدر الصقلبي ، وهو تصحيف ، صوابه ما أثبتنا من رواية ابن العديم ومما هو معروف في المصادر حول ثورة البساسيري وتاريخ الدولة العقيلية بالموصل .